مرحبا بكم في بلوج الرابطة العربية للومضة القصصية: ريادة الومضة القصصية بلا منازع ـ أسس الرابطة الأديب مجدي شلبي: مبتكر الومضة القصصية في 12/9/2013...

مسابقة أول الأوائل رقم 1 لعام 2019

قراءة في الومضة القصصية الفائزة بالمركز الأول في مسابقة أول الأوائل رقم 1 لعام 2019
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقمان محمد
حياة
كبر أبي؛ صار طفلي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العنوان (حياة): من مرادفاته: رُوح, قَلْب, مُهْجَة, نَفْس، عُمْر, عالم، عِيْشَة، و هو عنوان مفتوح على (حياتين):
(حياة) دنيا: اَرْضِيَّة, زائِلَة, فانية، و (حَيَاة) اُخْرَوِيَّة: مُقْبِلَة, أَبَديَّة.
و لأن المتن جاء معبرا عن صفة (البر)؛ فقد تأكدت حقيقة العلاقة الوثيقة بين الحياتين باعتبار أن (الدنيا مزرعة الآخرة)؛ كما وضحت دقة و حرفية اختيار العنوان (حياة): (كبر أبي؛ صار طفلي)، قالت الشاعرة نازك الملائكة: 
قد نعمتم من (الحياة) بأحلى *** ما عليها وفزتم بـ(جناها).
يقول الحق في محكم التنزيل: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [سورة الأعلى الآية 17] ، (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [سورة العنكبوت الآية 64].
فبماذا أخبرنا المتن على لسان كاتبه:
ـ (كبر أبي): لم يقل (شاخ أو هرم)؛ رغم أن كلمة كَبَرَ: تعني زاد عليه في العُمر، أي كان أكبرَ منه سِنًّا؛ إلا أن كبر الشخص لها معانٍ منها: عظُم و جسُم، نما وازداد، نشأ و ترعرع. و كبُرت نفسُه: كان كريمًا شُجاعًا. و كبُر عن مخالطة الأشرار: ترفّع ، و تَنزّه. و الكُبْرُ: الشَّرفُ و الرفعة، و يقال (هو كُبْرُ قومه): أَكبرهُم في السِّنّ، أَو في الرَّياسة، أَو في النَّسَب.
و الأكبران: الهِمَّة و الفِعال أو الهِمَّة و النَّفْس. و (رجل كُبَارة): رجل وقور، عظيم الشأن. يقول ابن المعتز: (كبرَ الحبَّ إذ كبر).
من هذا يتضح اهتمام الكاتب باختيار ألفاظ ومضته القصصية بدقة و حرفية و إتقان، و تأتي كلمة (أبي)؛ هي الأخرى بديلا عن: (والدي)؛ ذلك لأن (أبي): من الإباء عزة النفس و الأنفة و الكبرياء.  
(كبر أبي)؛ فكان رد الفعل: (صار طفلي)، اتساقا مع دورة حياة الإنسان (خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) [ سورة نوح الآية 14]. و تنفيذا لما أوصانا به ديننا الحنيف؛ يقول الحق في محكم التنزيل:  (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [سورة الإسراء الآية24]. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [سورة النساء الآية 36].
و بالعودة للشطر الثاني من المتن (صار طفلي)؛ نجد الكاتب يكني بتلك (الطفولة) عن حالة الضعف التي تنتاب الإنسان في شيخوخته نتيجة بدء انحسار عمل الهرمونات، و ظهور التغيّرات الفسيولوجيّة، و عدم استطاعته تلبية احتياجاته، أو القيام بالمهامّ اليوميّة الشخصيّة، ولهذا يحتاج إلى عناية و مساعدة مستمرّة، و كأنّه طفل صغير.
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم: (ما أكرم شاب شيخا من أجل سنه، إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه). فماذا لو كان الشاب هو الابن، و الشيخ هو الأب؟:
إنه (البر) في أرقى و أسمى معانيه، فإذا كان اللفظ لغة: يعني الخير، و الصدق، و الطاعة، و الفضل؛ فهو شرعاً: يعني احترام و طاعة و إكرام الوالديْن، و الإحسان إليهما ورفع الأذى عنهما، و تولي رعايتهما، و الرفق بهما. (البر: كلمة جامعة لكل معاني الخير)، يقول الشاعر أحمد محرم:
واجز خيرا كل حر *** صادق الإيمان بر
و رغم أن فكرة (البر) متداولة؛ إلا أن الكاتب استطاع بصياغته المدهشة و استخدامه الجيد للمحسنات البديعية (المقابلة) في: (كبر أبي؛ صار طفلي). أن يؤكد حقيقة أن تلك المحسنات البديعية ـ التي يستعين بها الأدباء للتأثير في النفس من خلال التعبير عن مشاعرهم و عواطفهم كحلية في الفنون الأدبية المختلفة ـ هي في الومضة القصصية تُعد جزء لا يتجزأ من النص ذاته؛ و خير شاهد على هذا؛ الومضة القصصية عاليه: (كبر أبي؛ صار طفلي).
التي جاءت في أربع كلمات فقط محققة جميع العناصر الخاصة بالومضة القصصية ـ طبقا لما أرسيته من أسس، و ما حددته من معايير و ضوابط لهذا الفن الأدبي المبتكرـ: تكثيف، مفارقة، إدهاش، إيحاء و خاتمة مباغتة؛ فاستحق كاتبها الفوز عنها بالمركز الأول بجدارة و استحقاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشعار و حكم و أمثال ذات علاقة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ فصرت الآن منحنيا كاني *** أفتش في التراب عن شبابي (راشد الدهان)
ـ قالوا انينك طول الليل يقلقنا *** فما الذي تشتكي؟ قلت الثمانينا!.
ـ إذا شاب رأس المرء أو قل ماله *** فليس له في ودهن نصيب (علقمة)
ـ إذا المرء أعيا رهطه في شبابه *** فلا ترج منه الخير عند مشيب (ابن الهطيم)
ـ أيا ليت الشباب يعود يوما *** فأخبره بما فعل المشيب (أبو العتاهية)
ـ إذا الشيخ قال أف فما مل *** حياة وإنما الضعف ملا (المعري)
ـ الشَّيخوخة ليْست فِي الأعمَار، بَل في العُقول. (عبد الله المغلوث)
ـ الشعر الأبيض أرشيف الماضي. (إدغار ألن بو)
ـ البعض يولدون شيوخا و الآخرون يموتون شبابا. (شكيب أرسلان)
ـ تكمن الشيخوخة في الروح أكثر مما تكمن في الجسد. (فرانسيس بيكون)
ـ أكثر ما يخيفني في الشيخوخة ليس الوحدة، وإنما التبعية. (إيزابيل الليندي)
ـ إن اجتماع الشيوخ مع الشيوخ يجعلهم أقل شيخوخة. (غابرييل غارسيا ماركيز)
ـ الصبا ارتباك، الرجولة كفاح، الشيخوخة ندم. (بنيامين دزرائيلي)
ـ لا تسال الشيخ عن المكان الذي يؤلمه، بل عن المكان الذي لا يؤلمه. (مثل بلغاري)
ـ شباب كسول، شيخوخة متسولة. (مثل تشيكوسلوفاكي)
ـ للشباب وجه جميل، وللشيخوخة روح جميلة. (مثل عربي).